الأسرة المسلمة بين الالتزام بالهويَّة وتحدِّيات الغزو الثقافي دراسة نقديَّة
DOI:
https://doi.org/10.47831/hte5e856الكلمات المفتاحية:
الأسرة المسلمة، الهويَّة الدِّينيَّة، الغزو الثقافي، دراسة نقديَّةالملخص
منح التشريع الإسلامي اهتمامًا بالغًا للأسرة، فنظَّم أحكامها ووزَّع الدوار بين أفرادها محدِّدًا الحقوق والواجبات، وكان نتاج ذلك تشريعات كثيرةً هدفها صيانة الأسرة وحفظ خصوصيَّاتها، وضمان اندماجها في المجتمع الإسلامي على وفق هدي القرآن الكريم وتشريعات السُّنَّة المطهَّرة من أجل حمايتها وتوثيق هويَّتها الدِّينيَّة؛ لأنَّها مداد المجتمع ومنها يأتي الرفد بالنوع الإنساني، وعلى أساس هويَّتها يكون المدار في تصنيف المجتمع وانتمائه، وهذا ما يُفسِّر كثافة اهتمام التشريع الإسلامي بالأسرة ورعاية أفرادها، فهو يبدأ معها منذ انطلاقتها الأولى من خلال تحديد شرائط الاقتران ومواصفات الزوجينِ المؤهلينِ لبناء أسرةٍ، ثمَّ التنظيمات التي تكون بين الزوجينِ في أدق التفاصيل، وبعدها الكيفيَّة التشريعيَّة في رعاية الأبناء وحقوقهم، ومن ثمَّ حقوق الوالدينِ، والأدوار ما بين الزوج والزوجة تبعًا للطبيعة البشريَّة، وهكذا يتصاعد التنظيم طوليًّا ويتوزَّع عرضيًّا في البناء الأسري وصولًا إلى التنظيم الاجتماعي بعد ذلك. وأمَّا في عصرنا الحاضر فالأسرة تواجه تحدِّياتٍ كبيرةً في ظلِّ الغزو الثقافي؛ نتيجة الانعكاسات السلبيَّة للثورة الرقميَّة، وتطبيقات التواصل والذكاء الاصطناعي، والتحولات المرتبطة بهما، التي أدَّت إلى اختراق أمن الأُسرة، فأضرَّ بتماسكها وتفاعل الأفراد فيها، حتَّى بتنا على أعتاب مرحلة التغيير في بنية القيم المجتمعيَّة، بعد شيوع ثقافة الآخر ببعدها السلبي وانتهاكها لخصوصيَّة الأسرة التي طالما حرص الإسلام على حفظها، فأصبحت الحياة الأسريَّة في كثيرٍ من الأحيان مشاعةً أمام الآخرين بفعل تأثير الغزو الثقافي، وكان النتاج تفكُّك في القيم وضعف الانتماء الأسري وسيادة الاغتراب بين أبناء الأسرة الواحدة، واجتاحت أفكار الانحراف والتطرف في اتِّخاذ القرارات بدعوى الاستقلاليَّة قبل مرحلة النضوج، وأصبحنا في مواجهة بيئةٍ رقميَّةٍ بعالمٍ خالٍ من الأخلاق والقيم المجتمعيَّة في كثيرٍ من الأحيان ما أدَّى إلى فرض ثقافةٍ أجنبيَّةٍ بحكم خصائص الغزو الثقافي بأدواته الرقميَّة. وهنا لا ندَّعي أنَّ الثورة الرقميَّة سلبيَّةً بمعطياتها كلِّها؛ بل هي إيجابيَّةٌ في كثيرٍ من مفاصلها؛ ولكن سلبيَّتها تتأتَّى من تهديدها للهُويَّة الدِّينيَّة، وانتهاكها لأمن الأسرة ولا سيَّما المرأة، وكذلك التأثير المباشر بما تحمل من غزوٍ ثقافيٍّ لا يتلاءم مع الإسلام وتقاليد مجتمعنا الرشيدة، وهذا له تأثيرٌ مباشر في غياب الهويَّة الدِّينيَّة والمجتمعيَّة تحت شعار أنَّ العالم أصبح قريَّةً صغيرة؛ ولذلك لابدَّ أن ننصهر في ثقافة الآخر ونستجيب لغزوه وفكره، ونتخلَّى عن ثقافتنا ووعينا وتربيتنا وهويَّتنا. ومن هنا نحاول في هذه الدِّراسة أن نبيَّن ماهيَّة الغزو الثقافي ونشير إلى أهمِّ جوانبه السلبيَّة، ولا سيَّما تأثيره في الهويَّة الدِّينيَّة للأسرة المسلمة، وفي قبال ذلك نحدِّد أهمِّ مسارات التشريع الإسلامي في الحفاظ على الأسرة وضمان خصوصيَّتها وترصين هويَّتها، وتنظيم مساراتها في داخل أفرادها ومن ثمَّ علاقتها في المجتمع الذي تعيش فيه.